حسن ابراهيم حسن

498

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

تدوين المصحف : نزل القرآن منجما « 1 » في بضع وعشرين سنة . فكانت تنزل الآية أو الآيات كلما دعت الحاجة إلى ذلك . وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من الآيات من تلقاء أنفسهم أو بأمر الرسول على سعف النخل والرقاع وقطع الأديم وعظام ألواح الشاة والإبل وأضلاعها . فلما انتقل الرسول إلى جوار ربه وقامت حروب الردة وقتل فيها أكثر القراء من الصحبة وخاصة في يوم اليمامة حيث قتل منهم زهاء سبعين ، « 2 » هال هذا الأمر عمر بن الخطاب ، وكان مستشار أبى بكر وساعده الأيمن ، فذهب إلى أبى بكر وقال له : إن القتل قد كثر واستحر بقراء القرآن يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء فيذهب من القرآن الكثير ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال » « 3 » . وقد ضم أبو بكر إلى زيد بن ثابت سالما مولى أبى حذيفة ليعاونه في جمع القرآن على أن يقوم زيد بتدوينه . وكان زيد بن ثابت شابا عرف برجاحة العقل وحسن السيرة . وكان يكتب الوحي للرسول . ولا ريب أن هذا العمل الجليل كان في حد ذاته مجهودا شاقا يتطلب الكثير من الأناة والصبر . وقد عبر زيد عن خطورة هذا العمل في هذه الكلمات التي تبين لنا كيف قام به وأئمه : فو اللّه لو كلفوني ثقل جبل من الجبال ما كان أثقل على منه : فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف ومن صدور الرجال . وقال أبو بكر لعمر وزيد : اقعدوا على باب المسجد ، فمن جاء كما بشاهدين على كتاب اللّه فاكتباه . قال صاحب تاريخ القرآن « 4 » : والأقرب إلى الظن أن الشاهدين إنما كانا يشهدان بأن ما أتوا به كان مما عرض

--> ( 1 ) يقال نجم المال تنجيما إذا أداه نجوما أي على أقساط . ( 2 ) وقد قيل إنه قتل مثل هذا العدد في غزوة بئر معونة في عهد الرسول . ( 3 ) ابن الأثير ج 3 ص 46 . ( 4 ) أبو عبد اللّه الزنجاني . ( تاريخ القرآن ) طبع لجنة التأليف والترجمة سنة 1935 ص 42 .